أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

104

التوحيد

ثم أطنب في هذا النوع فتركته لما لا منفعة فيه ، وفيما قال من دليل غيريّة السكون والحركة من جواز كون كل واحد منهما بدلا عن الآخر ، وأنهما غير أن ما يبطل قول كثير من المعتزلة في قولهم بالإبقاء بلا بقاء ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم أجاب من عارضه بما كذلك كانت الأجسام غير خالية عما ذكرت أبدا ، فزعم أنه لا يجوز ؛ لما لا يثبت للكل شرط العدم إلا بوجود غير هو في ذلك ، وفي ذلك بطلان الوجود . واستدل بما سبق ذكره من دخول الدار ، مع ما زعم في طير من يطير - أن بينهما ذراع من جهة واحدة - طيرانا مستويا ، لم يحتمل أن يكونا كذلك من غير نهاية لأوليّتهما ، إذ ارتفاع النهاية يوجب الاجتماع بالاستواء وقد وجد التفاضل . واحتج بما إذ ثبت تضاد الأشياء من الثقل والخفة والحرارة والبرودة ونحو ذلك ، وقد ثبت فساد الشيء من الشيء إلى ما لا أول له ، ثم كان من طبع المتضاد التنافر ، وفي ذلك التباعد وبخاصة إذ جعل أصحاب هذا القول اثنين متباينين فامتزجا وكانا متضادين لم يجز لهما الاجتماع بما ذكر ، مع ما كان اختلافهما طباعا ، ولو جاز خروجهما عن الطباع الذي ذكرت لجاز أن يسخن المبرّد ويبرد المسخّن ، ولو جاز ذلك لجاز فناؤهما ليخرجا من طبع البقاء ، وإذا بطل ذا ثبت قول أهل التوحيد في مدبر عليم ألّف بين ذلك ، ولا قوة إلا باللّه . قال أبو منصور رحمه اللّه : نقول - وباللّه التوفيق - إن القول بأكثر من واحد لا يخلو من أن كل واحد منهم يملك إفناء غيره أو لا ، أو يملك الواحد خاصة ، فإن كان الأول أو الثاني لحقهما عجز ، مع ما فيه من الجهل بتدبير الإهلاك بالحيل ، إن لم يكن بالقوة ، وإن قدر الواحد بطل غيره ؛ لما لا يتركه يعاديه في ملكه وينازعه في ربوبيته وله قدرة تصفية الملك له . وبعد ، فإن العاجز الجاهل أحق أن يكون عبدا مربوبا دون أن يكون ربّا ملكا ، ولا قوة إلّا باللّه . وهذا يبطل على من يقول بالظلمة والنور لما جهل النور حيث وقع في وثاق الآخر ، والظلمة حيث منعت عن عملها وهو الشر في الآخر ، ومع ما تفرقت أجزاؤهما وتشتتت أحوالهما حتى عجز كل واحد منهما أن يظهر سلطانه ويستولي على ماله ، جل ربنا وتعالى عن أن يكون هذه صفته . وأيضا أن القول من أصحاب الاثنين قول بنهاية كل واحد منهما من جانب ، وارتفاعهما من سائر الجوانب ، فإن كان الارتفاع دليل القدم لزم الحدث في وجه الحد ، وإن لم يكن لزم الحدث في الكل ، مع ما إن لم يقدر النور على تخليص جزئه المتناهي عن يد عدوّه بالأجزاء التي لا تتناهى ، ولا كانت تلك الأجزاء قدرت على حفظ ذلك الجزء من يديها قبل الوقوع في وثاقها ، أنى يقدر إذا أراد بعد الوقوع في